بقلم مريم التيجي (المغرب)
كان الصغير يرتجف من البرد، يتوسل أمه أن تسمح له بالبقاء معها اليوم في البيت. ماعاد يحب المدرسة منذ أن جاءتهم المعلمة الجديدة..شعر لأول مرة أنها بعيدة، وأن طريقها شاق عندما غادرها معلمه "المكناسي" كما كان يناديه المدير.
كان ذلك المعلم الطيب يصبر عليهم كثيرا، ويقول لهم لن تغادروا قبل ان تتعلموا جيدا..درسه ثلاث سنوات متتالية، علمه الحروف كتابة ونطقا، حبب اليه المدرسة عندما قال له ذات يوم " هل تريد ان تذهب الى المدينة؟
فأجابه بحماس وهو يهز رأسه : آه..
فربت على رأسه الصغير وهو يقول له : إذن خصك تقرا..
منذ ذلك اليوم صار يجتهد في تهجي اي كلمة يصادفها في الطريق، حتى انه مرة تبع قطعة ممزقة من جريدة قديمة كانت تعبث بها الرياح، وجرى خلفها ولم يستسلم الا بعد ان "اصطادها" بصعوبة، فجلس على الارض وقرأها كاملة.
ورغم انه لم يفهم شيئا مما قرأه، الا انه طار الى امه فرحا ليخبرها انه "بدا كيقرا الجورنان".
في الصباحات المطيرة مثل هذا الصباح، كان "سي المكناسي" يعد الشاي في "المقراج" داخل الفصل البارد. كانت رائحته تنبعث في الخارج، وتحث الصغار على مضاعفة سرعتهم في الامتار الاخيرة، وعندما يصل الجميع، كان يغلق الحجرة، ويضع كؤوسا مختلفة الاحجام والاشكال والالوان، امام كل الاطفال، ويطوف عليهم بالشاي الساخن، ويقول لهم ضاحكا "سخنو يديكم قبل ما تسخنو كروشكم.." فيحيطون ايديهم الصغيرة بكؤوسهم، ويستمتعون بالدفء الذي يسري في اطرافهم المتجمدة، ولا يمهلهم كثيرا قبل ان يطلب منهم شرب الشاي بسرعة.
كان هذا الطقس اليومي الذي يقومون به طيلة فصل الشتاء قبل ان يبدأ الدرس" يخفف عنهم معاناة البرد، ويملؤهم حماسا كل صباح قبل ان يقطعوا مسافات طويلة في اتجاه هذا الحجرات المتناثرة في قمة الجبل، والتي يسميها آباؤهم مدرسة..
لكن هذا الشتاء طعمه مختلف، وبرده اكثر قساوة. لقد غادر "سي المكناسي" وجاءت معلمة جديدة، عابسة دائما، ومتدمرة طيلة النهار.
لا تلقي الدرس بنفس الشغف القديم الذي الفوه مع "المكناسي" وتعاقبهم لأتفه الاسباب. لا تعد الشاي داخل القسم، وتغلق عليها بابه عندما تصل دون ان تنتظر دخول الجميع.
احيانا تشتمهم و تقول لهم "لعروبية" .
بدأ ينسى حلمه القديم، والوعد الذي قطعه على معلمه الذي خانهم جميعا عندما غادر، ولم ينتظر ان يودعهم بعد الصيف...يتبع.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق